صديق الحسيني القنوجي البخاري

601

فتح البيان في مقاصد القرآن

القرآن إن أريد به القدر المشترك الصادق على الكل والبعض أو من عطف الكل على البعض إن أريد به المجموع الشخصي . وأما إذا أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن أو أقسامه من باب عطف أحد الوصفين على الآخر . ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة أن هذه السورة مكيّة وأكثر السبع الطوال مدنية ؛ وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه ، وظاهر قوله : وَلَقَدْ آتَيْناكَ الخ أنه قد تقدم إيتاء السبع على نزول هذه الآية . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد ؛ فذهب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليخرج فذكرت فقال : « الحمد للّه رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم » « 1 » . وأخرج البخاري أيضا من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم » « 2 » . فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها فاتحة الكتاب ، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدمنا ، وعن الضحاك قال : المثاني القرآني يذكر اللّه القصة الواحدة مرارا ، وعن زياد بن أبي مريم في الآية قال : أعطيتك سبعة أجزاء : مر ، وانه ، وبشّر ، وأنذر ، واضرب الأمثال ، وأعدد النعم ، وأتل نبأ القرآن . ثم لما بيّن اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ما أنعم به عليه من هذه النعمة الدينية نفره اللّه عن اللذات العاجلة الزائلة فقال : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمن لها ؛ قال الواحدي : إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه . وقال بعضهم : المعنى لا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا ، ورد بأن الحسد منهى عنه مطلقا ، وإنما قال في هذه السورة لا تمدن بغير واو ؛ لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه . وعن ابن عباس قال : في قوله لا تمدن عينيك نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه والأزواج الأصناف قاله ابن قتيبة . وقال الجوهري : الأزواج القرناء ؛ وقيل يعني اليهود والنصارى والمجوس . وعن مجاهد في قوله أزواجا منهم ، قال الأغنياء الأمثال والأشباه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 1 ، باب 1 ، وسورة 15 ، باب 3 ، والترمذي في ثواب القرآن باب 1 . ( 2 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب 9 ، والترمذي في ثواب القرآن باب 1 .